المقدمة


المقدمة :


لاشك أن الأمم المتقدمة في العالم تبني قبور شخصياتها من العلماء والقادة والملوك والزعماء وتحافظ عليها وتحترمها وحتى القبور الوهمية والمراقد الرمزية باسم قبر الجندي المجهول ولم يكن ولا يوجد في العالم هناك عاقل يعارض هذا العمل وينهى عنه بل كاد أن يكون من المراسم الواجبة عند الحكومات والدول المتقدمة ولكن مع الأسف الشديد إن فرقة من الذين يدعون أنهم مسلمون ويزعمون أنا مشركون مخالفيهم في عقائدهم الشاذة التي ما أنزل الله بها من سلطان وهي الفرقة الوهابية :

فبعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة ، والمدينة المنوّرة وضواحيهما ، عام 1344 هـ ، بدؤوا يفكّرون بوسيلة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع ، ومحو آثار أهل البيت (عليهم السلام ) والصحابة .

وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز ، وفي عامّة البلاد الإسلامية ، وتبريراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة ، استفتوا علماء المدينة المنوّرة حول حرمة البناء على القبور .

فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهّابيين سليمان بن بليهد مستفتياً علماء المدينة ، فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم ، وتحت التهديد والترهيب وقّع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحرمة البناء على القبور ، تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء .

واستناداً لهذا الجواب اعتبرت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فتسارعت قوى الشرك والوهّابية إلى هدم قبور آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في الثامن من شوّال من نفس السنة أي عام 1344 هـ فهدّموا قبور الأئمّة الأطهار والصحابة في البقيع ، وسوّوها بالأرض ، وشوّهوا محاسنها ، وتركوها معرضاً لوطئ الأقدام ، ودوس الكلاب والدواب ونهبت كلّ ما كان في ذلك الحرم المقدّس من فرش وهدايا ، وآثار قيّمة وغيرها ، وحوّلت ذلك المزار المقدّس إلى أرض موحشة مقفرة .

وبعدما انتشر خبر تهديم القبور ، استنكره المسلمون في جميع بقاع العالم ، على أنّه عمل إجرامي يسيء إلى أولياء الله ، ويحطّ من قدرهم ، كما يحطّ من قدر آل الرسول ( صلى الله عليه وعليهم ) وأصحابه .

فنشرت جريدة أُمّ القرى بعددها 69 في 17شوّال 1344 هـ نص الاستفتاء وجوابه وكأن الجواب قد أُعدّ تأكيداً على تهديم القبور وحدّدت تاريخ صدور الفتوى من علماء المدينة بتاريخ 25رمضان 1344 هـ ، امتصاصاً لنقمة المسلمين ، إلاّ أنّ الرأي العام لم يهدأ ، لا في داخل الحجاز ولا في العالم الإسلامي ، وتوالت صدور التفنيدات للفتوى ومخالفتها للشريعة الإسلامية .

وليت شعري أين كان علماء المدينة المنوّرة عن منع البناء على القبور ؟ ووجوب هدمه قبل هذا التاريخ ؟! ولماذا كانوا ساكتين عن البناء طيلة هذه القرون ؟! من صدر الإسلام ، وما قبل الإسلام ، وإلى يومنا هذا !

ألم تكن قبور الشهداء والصحابة مبني عليها ؟ ألم تكن هذه الأماكن مزارات تاريخية موثّقة لأصحابها ، مثل مكان : مولد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ومولد فاطمة ( عليها السلام ) ، وقبر حوّاء أُمّ البشر والقبّة التي عليه ، أين قبر حوّاء اليوم ؟ ألم يكن وجوده تحفة نادرة ؟ يدلّ على موضع موت أوّل امرأة في البشرية ؟ أين مسجد حمزة في المدينة ؟ ومزاره الذي كان ؟ أين ... ؟ وأين ... .

ثمّ إنّ القاضي ابن بليهد قد أعوزته الحجّة في تدميره لقبور أهل البيت حيث تمسّك بكون البقيع مسبلة موقوفة، وأنّ البناء على القبور مانع عن الانتفاع بأرضها.

سبحان الله ما أتقنه من برهنة ؟ من أين علم أبن بليهد أنّ البقيع كانت أرضاً حيّة وقفها صاحبها على دفن الأموات ؟! ومن أراد أن يقف على حال البقيع، وأنّه لم يكن كذلك فليرجع إلى كتاب "وفاء الوفا للسمهودي مؤرخ المدينة .

والعجب من ابن بليهد قاضي الحكومة السعودية أيام تدمير آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) عام 1344هـ فبعد ما نفّذ ما أُمر به من قبل المشايخ، نشر بياناً في جريدة أُمّ القرى في عددها الصادر في شهر جمادى الآخر من شهور سنة 1345 هـ وممّا جاء فيه قوله: إنّ القباب على مراقد العلماء صار متداولا منذ القرن الخامس الهجري . فهل هذا صحيح أو افتراء أمام كلّ هذه النصوص التي سنوافيكم بها عند الحديث عن مشهد أئمة البقيع عن المسعودي وغيره من المؤرخين ؟ وليس البحث في خصوص العلماء، بل مطلق قبور المسلمين، نبيّاً كان أو وليّاً، صحابيّاً كان أو تابعياً، فقهياً كان أو محدّثاً.

ونعم ما قيل في الرد على من أفتأ بهدم قبورهم :

لمن القبـورالدارسـا بطيبة ***** عفت لها أهـل الشقا أثارا
قل للذي أفتى بهدم قبـورهم ***** أن سوف تصلى في القيامة نارا
أعلمت أي مراقد هدمتها ؟! ***** هي للمـلائك لا تـزال مزارا