المقدمة


المقدمة :


لاشك أن الأُمم الحيّة المهتمَّة بتاريخها تسعى إلى صيانة كلّ أثر تاريخيّ له صلة بماضيها، ليكون آيةً على أصالتها وعراقتها وأنها ليست نبتة بلا جذور أو فرعاً بلا أُصول. والأُمة اليقظة تحتفظ بآثارها وتراثها الثقافيّ وقد دعت تلك الغايةُ السامية الشعوبَ الحيّة لإيجاد دائرة خاصّة في كلّ قطر لحفظ التراث والآثار: من ورقة مخطوطة، أو حجر شاهدي أو نقش كتابي أو أبنية، أو قِلاع وحصون، أو مقابر ومشاهد لأبطالهم وشخصيّاتهم الذين كان لهم دور في بناء الأُمة وإدارة البلد وتربية الجيل، إلى حدّ يُنفقون في سبيلها أموالا طائلة، ويستخدمون عمّالا وخُبراء يبذلون سعيهم في حفظها وترميمها وصيانتها .

ومع الأسف نرى الأُمّة الإسلامية ابتُليت في هذه الآونة بأُناس جعلوا تدميرَ الآثار وهدمها جزءاً من الدين، والاحتفاظ بها ابتعاداً عنه، وهم الزمرة الوهابية أتباع أبن تيمية وأبن عبد الوهاب فهذه عقليّتهم وهذا شعورهم، الذي لا يقلّ عن عقلية وشعور الصبيان، الذين لا يعرفون قيمة التراث الواصل إليهم عن الآباء، فيلعبون به بين الحرق والهدم وغير ذلك .

وبدون شك إن الآثار والأماكن المقدسة معالم فخر واعتزاز وبناء شاخصة على مرِّ الأجيال وتقادم الأزمان; تحكي حضارات وحوادث طوتها السنون، وتحفظ لنا مبادئ جليلة وقيماً وذكريات عطرة كانت نتيجة جهود عظيمة بذلها أنبياء وأئمة ومصلحون كثيرون خلال حقب زمنية متعددة.
كما أنها ساهمت بشكل كبير في إرساء دعائم حضارات أخرى، وإذا ما أريد لحاضر كلّ أمة أن يكون قوياً متيناً فلابد من أن يركن إلى أسس ويثبت على جذور عميقة في تاريخها.

وحتى تطلع الأمم على ذلك الماضي تحتاج إلى مصادر ومنابع تستعين بها; وتقف الآثار شامخةً كأهم مصدر من مصادر معرفة الماضي وحوادثه وآماله وآلامه... لهذا راحت الشعوب ومفكروها ومثقفوها بالذات يبذلون جهودهم للمحافظة على تلك المعالم ودراستها وهو سمة حضارية حتى عادت علماً من العلوم المهمة الأخرى، وذا مؤسسات واسعة، ومنح المتخصصون فيها شهادات عليا... كلّ ذلك من أجل أن تبقى معالم تشير إلى ماضي الأمة وتطورها، فهي تراث ومعين لا ينضب، وهي بالتالي ثروة كبيرة لا تقل أهمية ونفعاً عن باقي ثروات الأمة إن لم تفقها; خاصة إذا ما أضيف إليها الجانب التقديسي المبارك الذي تتصف به، ويملأ قلوب الشعوب إزاء عظمائها وأعمالهم وآثارهم... لهذا كله ولربما لغيره يمكننا القول: إنّ التفريط بها أمر معيب بل لا يفرط بها إلاّ الجاهلون.إن مما يحزّ في قلوبنا أن نرى كثيراً من الآثار والمعالم الإسلامية قد طمستْ بعضَها بدوافع متعددة واهية، فيما ظلّ بعضٌ آخر مجهولا لدى الكثيرين، وهذا ما دفعني إلى إماطة اللثام عنها، وأحصى تلك المعالم بعد أن أندثر جزء كبير منها وخصوصا النقوش الإسلامية والأحجار الشاهدة في مقبرة الدور .